سياسة وتاريخ

آيا صوفيا: تحفة إسطنبول تسقط أقنعة الحاقدين

بعد فترة طويلة من حبس الأنفاس والأخذ والرد والتفاؤل من هذا المعسكر والتشاؤم من ذاك، أصدرت المحكمة الإدارية العليا التركية في العاشر من الشهر الجاري، حكمها التاريخي بتحويل آيا صوفيا المتحف الأشهر في إسطنبول إلى مسجد، وأعلن الرئيس التركي في مرسوم رئاسي عقب القرار القضائي أن صلاة الجمعة ستكون أول صلاة في المسجد العريق بتاريخ الرابع والعشرين من يوليو.

غمرت الفرحة مؤيدي هذا القرار وهم كثر في تركيا اليوم، ونقلت وسائل الإعلام التركية والعربية والعالمية صوراً لآلاف المصلين وهم يقيمون صلاة المغرب من ساحة المسجد، وضجت وسائل التواصل الاجتماعي في تركيا خاصة وبلدان العالمين العربي والإسلامي بالتهنئة للأتراك وحكومتهم على هذه الخطوة التاريخية التي أثلجت صدور أمة المليار مسلم.

لكن وكما كان هناك من سعد بعودة آيا صوفيا لسيرته الأولى، وجد من يرفض القرار ويرغي ويزبد ويهدد تركيا بالويل والثبور وعظائم الأمور كما جرت العادة من الأنظمة السياسية وليس من الشعوب.

اقرأ أيضًا: آيا صوفيا.. حلم راود الرجال

جاء الرفض الأول من خصم تركيا التاريخي اليونان التي اعتبرت القرار استفزازاً للعالم المتحضر وأنه يعيد تركيا قرون إلى الوراء – أي للعهد العثماني الممقوت من اليونانيين، ولم يقل الموقف الروسي تعصباً عن شقيق العقيدة اليوناني، وعلى لسان الخارجية والمتحدث باسم الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، اعتبر المسئولون الروس القرار التركي استفزازاً لمسيحيي العالم وكأن العالم المسيحي نصب القساوسة والساسة الروس ناطقين باسمه.

وعلى المستوى الأوروبي اعتبر جوزيف بوريل رئيس المفوضية الأوروبية، تحول متحف آيا صوفيا لمسجد “خطوة متهورة”، داعياً تركيا للتراجع عن القرار.

وبدورها، طالبت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) المعنية بالتراث الإنساني، الحكومة التركية بعدم المساس بوضعية آيا صوفيا الموضوع على قائمتها للتراث العالمي.

كان الرفض الرسمي العربي أشد عدوانية من خصوم تركيا من الغرب؛ فكتبت وزيرة الثقافة الإماراتية نورا الكعبي، تغريدة على موقع التدوينات المصغر “تويتر”، اعتبرت “إعادة آيا صوفيا مسجداً مساساً بالتراث الإنساني وتهديداً للتسامح بين البشر”.

على نفس الدرب سار النظام في مصر، فشط علماء الدين لدرجة اعتبار “صلاة من يصلي في مسجد آيا صوفيا باطلة”، وذلك كما ورد على لسان العالم الأزهري سعد الدين الهلالي.

وجاوز علماء السعودية نظراءهم في أرض الكنانة في شططهم، واعتبروا عودة آيا صوفيا داراً للعبادة “مخالفة لتعاليم الشريعة الإسلامية”؛ وهو ما عنى لكل ذي بصيرة أن معاداة القيادة التركية هي الباعث الوحيد على كل هذه الآراء “المثيرة للغثيان”.

هذا هو الظاهر للعيان من هذه المواقف “المقيتة” للشرق والغرب من شأن داخلي تركي خالص، غير أن تصريحاً واحداً ومن خصم -إن لم يكن عدواً صريحاً – يكشف حقيقة الهجمة المسعورة على تركيا وهو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي قال بصريح العبارة إن تغيير وضعية آية صوفيا هي تغيير لصورة تركيا العلمانية الحديثة وهو معاداة لدين وليس خلافاً سياسياً.

والمتابع لأنظمة مصر والإمارات والسعودية يجدها على الدوام في المعسكر المناوئ لخير الأديان، فهم يتهمون الإسلام بالتطرف وينفقون الأموال ببذخ في الشرق والغرب لمحاربته خاصة آل سعود وآل نهيان، ووجدوا في القرار التركي الصادم صفعة مؤلمة على وجوههم زادت من تعريتهم أمام شعوبهم وكشفت عن كراهيتهم للإسلام أكثر حتى من الغرب المسيحي.

في الوقت الذي تعود فيه تركيا لهويتها الإسلامية يورد حكام هذه البلاد المفروضون عليها بلادهم موارد التهلكة.

سيستمر النظام التركي في طريق رحلته الناجحة لاستعادة جذوره الإسلامية، بينما سيسير هؤلاء في طريق النهاية لأنظمتهم وليس لشعوبهم أو للإسلام، وسقوط هؤلاء الحكام عن عروشهم مسألة وقت، فما شاد الدين أحد إلا غلبه ومن نصر الدين نصره الله كما وعد في كتابه الجليل.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق