سياسة و تاريخ

آليات الاستعمار بين الماضي والحاضر

عبء الرجل الأبيض!

تشكل الداروينية الاجتماعية النبية التحتية للفكر الغربي الحديث منذ نشأتها إن لم يكن قبل ذلك، وعليه يرى الرجل الأبيض من نفسه مركزاً للكون ، فهو الأفضل والأقوى والأجمل، الأرقي عرقياً، والأفضل علمياً ، والأجدر حضارياً.

وعليه يقع عبء تصدير الحضارة الأوروبية لكافة أرجاء العالم والذي بالطبع يعاني من الجهل و التخلف و الانحطاط حتى لو خلف ذلك بحار جارية من الدماء لا تجف، ولو أدى ذلك إلى تدمير حضارات ، ونهب شعوب ، وتدمير ثقافات فعلى أي حال لم يكن الرجل الأبيض مسؤولا ً عن ذلك وإنما تقع المسؤولية دائما ً على الضعفاء والمقهورين فهم الذين لم يصمدوا أمام حركة السلم التطوري!!!

بعد انتهاء الحروب الدينية في أوروبا وتحول كثير من الدول الأوروبية إلى دول استعمارية بدأت تلك الدول تتجه لحل أزماتها الداخلية من خلال تصديرها إلى العالم، وبناء نفسها على أنقاض الآخرين، وفي سبيل ذلك سلكت عدة سبل لتحويل الكون وما عليه من بشر وموارد إلى خدمة الرجل الأبيض.

وكان السبيل إلى ذلك الاستعمار والذي تنوعت طرقه حسب مقتضيات الزمان والمكان.

أنواع الاستعمار

برغم اعتراض الكثير على كلمة (استعمار)لما فيها من دلالة على البناء والتعمير وهو عكس ما يحدثه الاحتلال من تدمير وتخريب إلا إنها الكلمة الدلالية المتعارف عليها لهذا النمط الغربي في الاستغلال ، والذي تنوع في ظاهره وإن أبقي على باطنه .
وتمثلت مراحل الاستعمار بثلاثة أساليب رئيسية :

1- الاستعمار التقليدي

وهو الذي بدأ مع الحروب الصليبية واستمر بعد ذلك إلى أن انتهى مع المواثيق الدولية التي أقرت مبدأ سيادة الدول .

ويتمثل ذلك الاستعمار في احتلال الدول بالقوة العسكرية على مرأي ومسمع العالم ، وما يعقب ذلك من نهب مقدراتها، واستعباد شعوبها وهدر حقوقهم بكافة الطرق والوسائل.

هذا اللون من الاحتلال انتهي اليوم ولكن أعقبه لون آخر أشد قسوةً وضراوةً!

2- الاستعمار الاحلالي

ويعتبر ذلك الاستعمار أشد أنواع الاستعمار قسوة، وأخطرها على الاطلاق نظراً لأنه يقضي على أي إمكانية لطرد الغازي.
بدأ هذا النوع مع اكتشاف العالم الجديد ووجد فيه الغرب وسيلة للتخلص من الفائض السكاني في أوروبا ، والذي كان يشكل مشكلة كبيرة حين ذلك نظراً لقلة الموارد وزيادة السكان.

ولذلك استخدم الغرب العالم الجديد كسلاح ذو حدين الأول؛ هو التخلص من فائض السكان

والثاني؛ هو جلب الموارد ولاسيما الذهب الذي استخدم في تمويل الحروب على بلاد الشرق وأفريقيا بعد ذلك، وبناء النهضة الأوروبية حين ذلك.

وفي سبيل ذلك قضي الاوربيين على السكان الأصليين لتلك البلاد مستخدمين في ذلك أشنع الطرق، وأكثر الوسائل دموية كما حدث مع الهنود الحمر في أمريكا ، والسكان الأصليين لاستراليا ومازال يحدث في البرازيل حتى وقتنا هذا.

3- الاستعمار الاستيطاني

يشبه هذا النوع الاحتلال الاحلالي لحد كبير بفارق واحد وهو استغلال الأراضي والموارد مع نقل السكان دون إبادة كاملة لهم.
حدث هذا النمط في فلسطين المحتلة وجنوب افريقيا.
ولذلك يعده البعض من ضمن أنواع الاستعمار الاحلالي.

4- الاستعمار الحديث

وبدأ هذا النمط بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية وتشكيل النظام الدولي الحديث في سان فرانسيسكو واقرار مبدأ سيادة الدول، والذي بدأ ينهار مع قيام ثورات الربيع العربي حسب مراقبين.

ويعد هذا النمط من أخطر الأنماط بعد الاستعمار الاحلالي نظراً لأنه احتلال مستتر ، وتقع فيه كل الدول النامية بلا استثناء.
يتمثل هذا النوع في تكوين حكومات موالية للمستعمر التقليدي القديم والذي شكلها إبان فترة احتلاله لتلك الدول.

تدين تلك النخب بالولاء التام للخارج وفي سبيل ذلك تقمع شعوبها ، وتسرق الموارد على مرأي ومسمع من العالم المتحضر والذي يغض الطرف بالطبع نظراً لأن هؤلاء الديكتاتوريين وكلائه ليس إلا .

تلك النخب ليست مجرد أفراد متفرقة لنأمل أن ينتهي ذلك الاحتلال بانتهائهم ، ولكن تكمن الإشكالية في وجود مؤسسات كاملة مؤسسة عقدياً كتابع رئيسي للمحتل الأجنبي وتأتمر بأمره وتدين بالولاء الكامل له.

ولذلك فإن أي محاولة للنهوض بواقع أفضل والتحرر من تلك التبعية المقيتة تكمن في القضاء ابتداءاً على السلطات بطيئة البناء بطيئة الهدم كما يطلق عليها، وإلا فإن تلك المؤسسات ستقضي على أية محاولة للتحرر كما هو مشاهد الآن.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق