ثقافة وفنون

آفاق الذاكرة-للتذكرة (2)

مازلنا في رحاب الغيطاني، نتجول معه في آفاق ذاكرته، أو ذاكرتنا الجمعية. فكل كلمة كتبها في هذه المقالات المجمعة تخص كل فرد وبالتالي باتت هذه الكلمات ملكية عامة لنا في الوطن العظيم (مصر).

وأولى القضايا التي نستهل بها هذا المقال هي قضية جزء من المجتمع (المرأة). فهل مازالت تتمتع المرأة المصرية برونقها؟ فستان أنيق وحذاء لامع وشعر أو حجاب جميل؟ تسير في الشوارع دون التعرض لمضايقات، فلا تضطر إلى رفع صوتها أو التجرد اللحظي من حيائها للدفاع عن نفسها؟ هل مازالت المرأة عندما يتحدث إليها الرجل يناديها ب”هانم”، أو يفتح لها باب السيارة-إن وجدت- فلا تضطر إلى ركوب المواصلات المزدحمة، وإن اضطرت فإن الرجل سوف يقدمها على نفسه ويترك لها المقعد لتجلس عن طيب خاطر. فتغدو المرأة إلى بيتها في كامل طاقتها لأنها لم تستنزفها في عراكات يومية في العمل وفي الشارع.

مقال “من عملة لعملة”

هذا الأمر بالطبع لم يفلت من قلم الأستاذ جمال الغيطاني فرصده في مقاله الذي كتبه عام 1992 أي قبل حوالي سبعة عشر عامًا يصور فيه صورتين للمرأة.

الأولى رآها -عندما ذهب مع صديقه لصرف الشيك ذي العملة الأجنبية- امرأة عاملة أنيقة في بنك وسط البلد حيث”يتحركن بسرعة ورشاقة، يحملن أوراقا، الأناقة بادية، وملامحهن جميلة، من الصعب أن يرى المرء أمثالهن في الشارع، أو المواصلات العامة، أو في ميدان العتبة.”

أما الثانية رآها-عندما ذهب مع الصديق نفسه في اليوم نفسه لتحويل المبلغ إلى عملة محلية- امرأة عاملة في بنك بروض الفرج كانت ممتلئة قليلاً، ترتدي ملابس متواضعة، قميص غسل كثيرًا و كوي أكثر، وبدا في ملامحها آثار جمال غارب.”

وأسهب الغيطانى في وصفه -لهذه المرأة العاملة الثانية التي صارت الآن عاملة ومعيلة في كثير من الأحيان- وصفًا مازال ساريًا على المرأة العاملة البسيطة في عام 2019، إذ يقول: “أتأمل في الصباح أو عند الظهيرة مثيلاتها من النساء العاملات يقفن على محطات المترو والمواصلات العامة، استيقظن مبكرات، بسرعة يقمن بإعداد الإفطار للأولاد الذين يجب أن يذهبوا فى موعد محدد إلى المدرسة، وللرجل.. يحاصرها دفتر الحضور والانصراف، وإعداد الطعام والغسيل والكواء ومراعاة الأطفال والزوج والبيت، ومالا ندريه من عذاب المواصلات وتحرش المجهولين بجسدها، وإذا رفعت صوتها محتجة يتطلع القوم إليها شذرًا فقد أصبحت الأنوثة تهمة.”

ويُجمل وصفه لحال المرأة العاملة البسيطة في جملة هي الأجمل على الإطلاق فيقول:” يوم في حياة امرأة مصرية عاملة يعني بطولة متجددة يومية.”

مقال “ثبات محال”

تتعالى بعض الأصوات هذه الأيام تندد بارتفاع أسعار الأراضي في المشروع القومي المصري (العاصمة الإدارية الجديدة) وغيرها من المشروعات القومية، وترى أن هذا الارتفاع في الأسعار سفهًا في حين أن الدولة قد أوضحت العائد الاستثماري من المشروع. وهذه الأصوات المنددة لها أصول تاريخية تمتد حتى والد جمال الغيطاني نفسه “الذي رفض شراء ألف متر بجنيه واحد (أي المتر بمليم) في ثلاثينات القرن الماضي، إذ تساءل متعجبًا:”  هل أرمي جنيهًا في الجبل؟” وكان الجبل هو منطقة الدراسة على بعد 5 دقائق من مسكنهم في الحسين وقتها.”!

مقال “كوردنيري-لوزة”

البيت المصرى هو بيت فُطر على إعادة استخدام الأشياء القديمة، فالأسرة المصرية تعرف كيف توظف كل شيئ قديم أو بالي في بيتها لأنها تحتفظ به (لوقت عوزة). ووقت العوزة يكون غالبًا عند ارتفاع الأسعار، أو انحسار المال. “والكوردنيري تعنى الإصلاح بالفرنسية، وتشير إلى محلات إصلاح الأحذية. أما اللوزة فهي قطعة جلد صغيرة تغطي الثقب في الحذاء إذا تآكل النعل قليلاً.”

ويحكى الغيطاني عن اللجوء وقت العوزة للكوردنيري عندما رأى زوجا من الأحذية بسعر ستمائة جنيهًا عام 1992، حيث أن”المكافأة التي سوف أتقاضاها من دار الهلال التى ستصدر بعد يومين، وهى نتاج عمل سنتين لن تكفى لشراء فردة واحدة.”

فالحذاء كما يقول الغيطاني:” مرآة الأحوال، فمن هيئته أعرف المستوى الاجتماعي، ومن الكعب تبدو أحوال المرأة. وهناك من يرتدون أحذية يظل نعلها بلون الجلد، بدون تراب، فمن البيت إلى الممر المفروش بالسجاد إلى السيارة.”

لا يوجد فى هذا العالم سوى أنا وهذه اللحظة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى