مدونات

«آسف لم أعد أستطع».. إليكم تجربتي مع الانتحار!

في البداية أريد أن أتحدث عن تلك الرحلة التي مررتُ بها من المعاناة إلى التعافي؛ حيث أني أصبتُ بحالة اكتئابٍ حادة استمرت لمدة ثلاث سنوات أثرت على حياتي الاجتماعية والدراسية وأخيراً صحتي البدنية، أفضت إلى تجربة الانتحار ولكن سبحان من أعانني على الخروج من الوعكة، خلال تلك الرحلة تألمت وتعلمت الكثير من الأمور التي أود أن أشاركها معكم.

من الصعب معرفة متى بدأت المشكلة ومتى انتهت، لكني سأحاول بمنتهى الأمانة نقل تلك الخبرة المتواضعة، إذا أردت تتبع خيط تلك المشكلة، فأعتقد أنها بدأت في مرحلة المراهقة، حيث حدثت بعض الأحداث الشخصية والعامة في مجتمعي أدت إلى تكون نظرة تشاؤمية للواقع ورويدًا رويداً أصبحت نظرتي كلها سوداء.

تكرر رسوبي لأكثر من ثلاث سنوات في المرحلة الجامعية، حيث لم أعد أرى فائدة في الاستمرار وتدمرت علاقتي الاجتماعية بأهلي وأصدقائي، وأنهى ضعف الشهية والأرق على البقية الباقية من صحتي البدنية والتي أدت بدورها لاحتدام حالتي النفسية، وفكرت في تجربة الانتحار لكن بفضل الله ثم الأصدقاء والعائلة خضعت للعلاج النفسي والسلوكي والذي غيّر مجرى حياتي تمامًا للأفضل.

راودتني العديد من الأسئلة حول مرضي وعن الاكتئاب عمومًا وعن تجربة الانتحار ومن تلك الأسئلة هل كل مصابو الاكتئاب على علم بحالتهم؟ أم أني أنا الوحيد المصاب بهذا؟ وما الذي قد يساعد في الوقاية مستقبلًا من الاكتئاب؟ كانت هناك محطة فاصلة غيرت من رؤيتي للأمور. كنت أجلس بأحد المقاهي العامة وكان بجانبي أباً وطفله الصغير ثم بسلوك طفولي بحت وضع الطفل الصغير يده في كوب الماء. ثم جاء صديق الأب المنتظر وكان يشعر بالظمأ وحاول الشرب من ذلك الكوب. هنا سألت نفسي هل معرفة هذا الصديق بتلوث الكوب من عدمه سيؤثر على ضرره أم لا؟ والإجابة هي (لا) سواء علم بما في الكوب أم لم يعلم سيظل الضرر موجودًا.

بالمثل، بالنسبة إلى مرضى الاكتئاب هناك من يعلم أنه مصاب وهناك من لم يعلم، لكن الحقيقة تظل ثابتة وهي أن كلاهما يعاني، لكن من يعاني وهو يعلم بإصابته بهذا المرض ويحاول أن يتعالج قد يُرجى له الشفاء، بينما الذي يعاني وهو لا يعلم يظل يتعذب معتقدًا أن هذه هي طبيعة الأمور، فكل العبء في مرض الاكتئاب يقع على الوسط المحيط من عائلة وأصدقاء وزملاء حيث إن دورهم هو إعطاء أمل للمريض بأن الأمور لا تسير بهذه الطريقة وأنه يوجد سبيل للشفاء، وحتى يحدث هذا لابد من وجود وعي جماعي بهاوية الاكتئاب.

الاكتئاب هو خلل يؤثر على التوازن العاطفي والجسدي للإنسان ورؤيته للأمور، كما يؤدي إلى الإحباط وانعدام الرغبة في القيام بالأعمال والأنشطة خلال اليوم، وفي مراحله المتأخرة قد يؤدي إلى إيذاء الذات أو تجربة الانتحار أو غيره من وسائل إيذاء النفس. وبذكر الاكتئاب يجب الحديث عن ظاهرة الانتحار وهي كما عرفها (دوركايم) بأنها “الموت الناتج بصورة مباشرة أو غير مباشرة من فعل إيجابي أو سلبي ينفذه الضحية بنفسه وهو على علم بالنتيجة، مثل الإقدام على إيذاء الذات بمؤثر خارجي أو بالامتناع عن الطعام أو الشراب أو الدواء المنجي بغرض إزهاق النفس”. هل يمكن أن تتصور أن يقدم أحد على قتل ابنه العزيز أو حيوانه الأليف كما أن هذا قرار صعب، ناهيك أن يقوم شخص بقتل من هو أعز عليه من هؤلاء وهو ذاته.

الانتحار ظاهرة يجب أن تنال منا الكثير من الاهتمام، فواحد كل 40 دقيقة يموت منتحرًا وأمامه عشرين يحاولون، كما أن الانتحار هو السبب الثاني لوفاة الشباب من عمر 17 إلى عمر 40، ويا لها من خسارة إنسانية لقدرات كل هؤلاء حيث يفوق أعداد هؤلاء المنتحرين أعداد ضحايا الحروب.

وتعود أسباب الانتحار إلى أسباب مرضية مثل الاكتئاب والذي هو ليس السبب الوحيد كما يظن البعض، بالإضافة إلى أسباب دينية واجتماعية. وليس المرضى هم من يقدمون على الانتحار بل هناك المصابون بالتعاسة العميقة وفاقدو الأواصر الاجتماعية وفاقدو أشغالهم حيث يصل رقمهم إلى 55% من رقم المنتحرين، قد تبدو هذه الأرقام مفزعة لكن هناك حل دائمًا مثل: زيادة الوعي المجتمعي للأفراد بخطورة الأمراض النفسية وهاويتها، بالإضافة إلى محاولة تقليل الترويج للمحتويات العنيفة في وسائل الإعلام والإنترنت، وعرض الصورة الكاملة لمعاناة ذويي من قاموا بالانتحار.

وأود التنويه إلى انتشار محاولات “مراهقة” في الآونة الأخيرة لمساعدة المقدمين على محاولة أو تجربة الانتحار وقتل الذات جسديًا أو معنويًا وهي في الحقيقة تشبه محاولة مساعدة من لا يعرف لمن لا يستطيع، حيث يجب أن يقوم بمساعدة المقدمين على الانتحار متخصصون على دراية كبيرة بكيفية علاج مثل تلك الحالات، وفي حالة اكتشاف صديق أو زميل أو قريب يتحدث عن الإقدام على إيذاء ذاته، برجاء طلب يد العون من متخصص، ولا تقوم بالمساعدة وحدك حتى لا يغرق من لا يستطيع العوم في محاولة إنقاذ غريق، كما أن بإمكانك القيام ببعض الأدوار الداعمة مثل الاستماع والتفهم والتنبيه في بعض الأحيان.

فبعض الأعراض التي قد تبدو بسيطة قد تكون مؤشر لخطر قادم؛ فالأرق ليس للمجهدين فقط كما أن غياب الشهية ليس لأصحاب الحمية الغذائية وحدهم، وفي المقابل فإن النوم والأكل الكثير ليسوا كسلًا ونهمًا فقط بل قد يعبرون عن هروب من الواقع. وكما في القصة التي بدأت بها فإن كثرة شرب هذا الصديق للماء الملوث بلا اكتراث لن يقوى المناعة بل قد يؤدي إلى إهلاك صحته.

ختامًا، أود أن أنوّه أن ليس كل البشر مرضى نفسيين كما قد يقول البعض مازحًا بل إن للمرض النفسي ضوابط ومراحل فإن كنا جميعًا لسنا مثاليين نفسيًا إلا أننا أيضاً لسنا مرضى، حيث أن 20% فقط من المجرمين مرضى نفسيين وهو مؤشر على ضرورة التثقيف حول المرض النفسي حتى لا تختلط الرؤية لدينا ونستطيع مساعدة من يستحق فعلًا. فقط كن صبورًا مع الناس وحاول أن تفهم أن البعض يقوم بسلوك نسبة لحالته وراقب أفعالك بين الحين والأخر، فالمشاكل النفسية تأتي من حيث لا نتوقع، فالوقاية خيرٌ من الانتحار.

اقرأ أيضاً: الانتحار ليس عملية فجائية

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Omar Sobhy

صحفي بمجلة عربي 22 ليسانس اداب جامعة الإسكندرية

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق