سياسة و تاريخ

آدمية البشر بين المساواة والطبقية

فلاسفة الدنيا وصناع حضارتها كان همهم الأول هو سعادة ذلك الإنسان، ومن هنا قدموا أطروحاتهم ورؤيتهم في هذا السبيل، فصار العالم إلى ما صار إليه من تطاحن الأمم واستعبادها واستغلال خيراتها، وظهر بالتطبيق العملي أن تلكم الجهود لم تكن في سبيل سعادة الإنسان، بل كانت في سبيل سعادة جنس دون جنس، وأمة دون أمة، والتاريخ كما الواقع يحاكي ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.

الإنسان مكرم بأصل خلقته

الإنسان عندنا نحن المسلمين هو خلق الله، وصنعة الله، ونفخة من روح الله، خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته الكرام، وسخر أصنافًا منهم لخدمته، وخلق الكون لراحته، ومن هنا أوجب الله تعالى له التكريم في قوله تعالى: “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تقضيلاً”، وقال الله تعالى: “هو الذي خلق لكم مما في الارض جميعًا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الارض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك انت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون”، وكل هذه الآيات وغيرها تبين أسباب هذا التكريم الذي خصّ الله تعالى به الإنسان، فالإنسان عند الله هو سيد هذه الأرض وخليفة الله تعالى عليها.

الإنسان في الحضارات قبل الإسلام

أما الحضارات الأخرى فلم تجعل الناس سواءٌ في أصل الخلقة بل الخلق متفاوت بينهم، ففي الديانة الهندوسية انقسم الناس إلى أربع طبقات تبعًا لأصل خلقتهم، فهناك:

  • البراهمة: وهؤلاء كما في قانون “الفيدا” خلقوا من رأس الإله.
  • الكشاتريا: وهؤلاء خلقوا من عضد الإله وكتفه.
  • الفايشا أو البيش: وهؤلاء خلقوا من الأفخاذ.
  • طبقة الشودرا: وهؤلاء خلقوا من قدم الإله، -تعالى الله تعالى عما يقولون-،  “كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبًا”.

وهذا التقسيم في أصل الخلقة جعل التكريم عند الهندوسية لطبقة دون طبقة، فطبقة البراهمة يخضع لها ما تحتها لإنها من الرأس، ثم طبقة الكشاتريا فوق البيش، ثم أحط الطبقات كلها هم طبقة الشودرا، وهؤلاء لا يساكنون بقية الطبقات، بل يسكنون في أطراف البلد، وهم خلقوا لخدمة طبقات سادتهم، وهذه الطبقية لا تزال موجودة إلى اليوم، بل تقسيم الوظائف يتم على حسب الطبقة، ولا يسمح أبدًا بانتقال الرجل من طبقة إلى طبقة، كما أنه ليس مصادفة أن يكون البراهمة من أصول آرية.

الحضارة الغربية والطبقية:

وإذا ذهبنا إلى الحضارة الغربية الحديثة نجد نظرية النشوء والارتقاء هي المهيمنة على الساحة العلمية، وحتى من رفضها فقد رفضها من جانبها النظري، أما ما هدفت إليه النظرية فقد طُبِّق حرفيًا على واقع الأرض، فهذه النظرية قامت على فرضية تطور الجنس البشري عن أرقى السلالات الحيوانية، وكرست أن الجنس الآري أرقى من الجنس الحامي، ومن هنا فتكريم الإنسان لا وجود له في الحضارة الأوربية من حيث كونه إنسانًا، بل من حيث كونه أوروبيا من أصل آريٍّ.

الأجناس البشرية بين الحضارة الإسلامية وغيرها من الحضارات والأديان:

في الإسلام لا وجود لهذا التقسيم بل الكل يرجع إلى أصل واحد وهو آدم عليه السلام، وقد حرص الإسلام في كل مناسبة من المناسبات على التأكيد على أن الأفضلية لا تعود إلى الجنس ولا اللون، فقال الله تعالى: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير”.

فقضية الأجناس البشرية عالجها القرآن الكريم، وأكد أن كرامة الإنسان تعود إلى كونه إنسانًا لا للونه ولا لجنسه، بل نجد النبي صلّ الله عليه وسلم حين أراد ابن المطاطية أن يفرق بين جماعة المسلمين فقال: “هذه الأوس والخزرج قد قاموا بنصرة هذا الرجل فما بال هذا وهذا وهذا, يقصد صهيبا الرومي وبلالا الحبشي وسلمان الفارسي، وأراد أن يجعل فكرة النصرة قائمة على الجنس لا على الدين، وهنا قام إليه شاب من شباب المسلمين وعلمائهم سيدنا معاذ بن جبل -رضي الله عنه وأرضاه- فلببه بردائه، وانطلق به إلى رسول الله صلّ الله عليه وسلم، فخرج النبي صلّ الله عليه وسلم يجر رداءه، ولخطورة القضية نادى الصلاة جامعة ثم خطب قائلا: “يا أيها الناس إن الرب واحد والأب واحد وليست العربية لأحدكم بأب أو أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي”.

ونفس المعنى كرره النبي صلّ الله عليه وسلم يوم فتح، وفي خطبة الوداع، بل شدد النبي -صلّ الله عليه وسلم- النكير على من يفتخر بأصوله أو بنسبه أو بطبقته، فقال صلّ الله عليه وسلم: رليدعن رجال فخرهم بأقوام هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها عن نفسها”.

وهذه هي نظرة الإسلام إلى الأجناس البشرية، فلا وجود لها عندنا ولا يتم تكريم ولا تفاضل على أساسها، ومن هنا ينظر غير المسلم أنه لن يهان من أجل جنسه ولا لونه، فهو خلق مكرمًا ويعيش في ظل الإسلام مكرمًا.

فإذا انتقلنا إلى الحضارة الهندية مرة أخرى نرى أن جنس الشودرا جنس مهان بطبيعة خلقته، فلم يخلق كما خلقت بقية الطبقات، ولهذا فقد كان إذا ارتكب جرما فإنه يعاقب بالقتل والحرق بالنار، أما البراهماتي فإنه لا يعاقب عقابًا شديدًا.

الأجناس البشرية في اليهودية

وإذا انتقلنا إلى الديانة اليهودية نجد فيها أساسًا للطبقية، ففيها أن حام بن نوح غضب عليه أبوه ولعنه ولعن نسله، وفيها: “مبارك الرب إله سام وليكن كنعان عبدا لهم، ليفتح الله ليافث فيسكن مساكن سام وليكن كنعان عبدا لهم”، ومن هنا فبنصِ عقيدتهم المحرفة نجد أن بني حام بن نوح عبيدًا للجنس السامي وهم العبرانيون فقط -على زعمهم-، والجنس الآري الأوروبي.

العصر الحديث والطبقية:

وفي العصر الحديث قامت الحضارة الأوروبية على تقديس الجنس الآري، وعمل الفلاسفة وعلماء الاجتماع على تكريس هذه الفكرة، والتي بسببها كان الغزو الغاشم الأوروبي على بلاد الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، دعا إلى ذلك “هيجل”، و”ورينان”، و”فولتير”، و”رابيليه”، وغيرهم الكثير، وذهبوا إلى أن السلالة الآرية هي أرقى السلالات، وأنها يجب أن تتقدم لقيادة هذا العالم، بل دعا “كابان” إلى عمل مزارع لتهجين السود لتصحيح غلطة الطبيعة.

بل أرجعوا تقدم الجنس الأوروبي على غيره من الأجناس إلى طبيعة العقل الأوروبي التي تمتاز على غيرها، وأبدع “القسيس كارل” في الوصف حين قال: “إن الطبيعة الأوروبية من حيث المناخ وبرودته تتناسب مع الأوروبي، لأنه لفرط نشاطه الجسماني لا يستطيع العيش في البلاد الحارة حتى لا تنفجر رأسه”، وللأسف هناك الكثير منا يؤمن بهذا الزعم.

فإذا رجعنا إلى القرن الحادي عشر الميلادي حين كانت أوروبا غارقة في سباتها، نجد صاعد القاضي عالم طليطلة يقول عن الإنسان الأوروبي: “إن إفراط بعد الشمس عن رؤوس هؤلاء برد هواءهم، فانعدمت دقة أفهامهم، وغلبت عليهم البلادة والغباء”.

والجاحظ في القرن الثالث الهجري كان يرى الثقالبة الإيطاليين كالعبد، الكلُّ على مولاه أينما يوجهه لا يأتي بخير، وأرجع ذلك إلى برودة أجوائهم، فليست طبيعة المناخ ولا طبيعة الجنس هي السبب في التقدم العلمي، وإنما للعلم أسباب أخرى يسر المسلمون للأوربيين أسبابه، فنهضت أوروبا، ودخلت العصر الحديث على أيدي المسلمين، وحرمونا هم من أسباب التقدم، فقط احتلوا أرضنا، وسلبوا خيراتها، واستعبدوا أبناءنا، وتركوا لنا جهلا وتخلفا ومرضًا.

بل حين قُتل كليبر في مصر وجاء بعده مينو، وضع مشروعًا تنمويًا، وأراد بناء مصانع يجلب لها عمالاً وفنيين من فرنسا؛ حتى لا تنتقل الصناعات والعلوم إلى الشرق الأوسط، فالاتفاق على حرماننا من التقدم قديم قدم الحضارة الأوروبية.

ومشكلة تقسيم الأجناس تنقلنا إلى مشكلة الاستعباد التي هي أدهى وأمر؛ فتقسيمهم للناس على أساس من الجنس والطبقية أوجد طبقة الأحرار وطبقة العبيد، وحتى لا يقول أحد أن الإسلام فيه العبودية، فنقول له ليس في الإسلام نص من آية ولا حديث فيه إقرار بالمتاجرة بالبشر أو استعباد للخلق، بل نجد قول الله تعالى: “حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء” ولا وجود لاسترقاق الناس.

والذي نجده في الإسلام هو الأمر بفك الرقاب وتحرير العبيد، بل جعل الإسلام تحريرهم كفارة في الحنث في اليمين وفي كفارة القتل، وفي كفارة الظهار والنذر، وكفارة الجماع في نهار رمضان، وجعل من أوجه الإنفاق في الزكاة سهم للرقاب، وفي أبواب الفقه “باب المدبّر” و”المكاتب” و”العُمرَى والرَّقبى”وكلها في تحرير الرقاب، فالإسلام حين جاء وجد هذه التجارة قائمة لم يشأ أن يحرمها دفعةًً واحدة، بل عمل على تجفيف منابع هذه التجارة وهذا الاستعباد، حيث نهى عن استعباد الأحرار، وفي الحديث “ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته؛ رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجلٌ استأجر أجيرًا فاستوفى منه العمل ولم يعطه الأجر”.

فإذا انتقلنا إلى الحضارة الإغريقية سنجد الفلاسفة يكرسون العبودية، فيرى أرسطو أنه لا غنى عن العبيد، إلا إذا قامت الآلات بالأعمال التي يقوم بها العبيد، وفي الحضارة الرومانية كانت هناك طبقة “الأقنان” وهم عبيد الأرض.

وأما في الحضارة الأوربية الحديثة ففي دائرة المعارف البريطانية كما نقل الدكتور عبد الفتاح عشماوي في كتابه “الإسلام وحقوق الإنسان”، فتقول دائرة المعارف البريطانية: “إن اصطياد الرقيق من قراهم المحاطة بالأغلال كان يتم بإيقاد النار حول القرية حتى إذا هرب أهل القرية إلى الخلاء تصيدهم الإنجليز، ويموت أثناء الشحن 4%، ويموت في الرحلة 12%، واستعبدوا من سنة 1680 إلى 1686 مليونين من البشر، وكانت ملكة إنجلترا من أكابر تجار العبيد، وبلغ عدد العبيد في أمريكا عشرين مليونًا، وفي فرنسا أصدر لويس الرابع عشر قانونًا باحتقار الجنس الأسود مهما كانت منزلته، وكل ذلك بمباركة رجال الدين عندهم رافعين شعار استعباد السود واجب.

وإلى هنا يقف المداد عند الحد الذي يسمح لنا أن نقول معه إن الحضارة الغربية الحديثة لم تقدم السعادة لبني الإنسان، بل رفعت أقوامًا واستعبدت آخرين، وكرمت أجناسًا وذلّت آخرين، ويبقى الإسلام هو شمس التكريم التي ستشرق يومًا على العالم من جديد.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

سعيد عبدالخالق طه

عضو المركز الإسلامي المصري بدار السلام تنزانيا ليسانس اللغة العربية جامعة الأزهر .. محب للفكر الإسلامي الأصيل ..أثق في تراثنا ..أعشق الأسلوب الأدبي العالي ..وأشياء أخرى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق